الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
348
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الحياة . وجملة نَبْتَلِيهِ في موضع الحال من الإنسان وهي حال مقدرة ، أي مريدين ابتلاءه في المستقبل ، أي بعد بلوغه طور العقل والتكليف ، وهذه الحال كقولهم : مررت برجل معه صقر صائدا به غدا . وقد وقعت هذه الحال معترضة بين جملة خَلَقْنَا وبين فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً لأن الابتلاء ، أي التكليف الذي يظهر به امتثاله أو عصيانه إنما يكون بعد هدايته إلى سبيل الخير ، فكان مقتضى الظاهر أن يقع نَبْتَلِيهِ بعد جملة إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ [ الإنسان : 3 ] ، ولكنه قدم للاهتمام بهذا الابتلاء الذي هو سبب السعادة والشقاوة . وجيء بجملة إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ بيانا لجملة نَبْتَلِيهِ تفننا في نظم الكلام . وحقيقة الابتلاء : الاختبار لتعرف حال الشيء وهو هنا كناية عن التكليف بأمر عظيم لأن الأمر العظيم يظهر تفاوت المكلفين به في الوفاء بإقامته . وفرع على خلقه مِنْ نُطْفَةٍ أنه جعله سَمِيعاً بَصِيراً ، وذلك إشارة إلى ما خلقه اللّه له من الحواس التي كانت أصل تفكيره وتدبيره ، ولذلك جاء وصفه بالسميع البصير بصيغة المبالغة ولم يقل فجعلناه : سامعا مبصرا ، لأن سمع الإنسان وبصره أكثر تحصيلا وتمييزا في المسموعات والمبصرات من سمع وبصر الحيوان ، فبالسمع يتلقّى الشرائع ودعوة الرسل وبالبصر ينظر في أدلة وجود اللّه وبديع صنعه . وهذا تخلص إلى ما ميز اللّه به الإنسان من جعله تجاه التكليف واتباع الشرائع وتلك خصيصية الإنسان التي بها ارتكزت مدنيته وانتظمت جامعاته ، ولذلك أعقبت هذه الجملة بقوله : إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ الآيات . [ 3 ] [ سورة الإنسان ( 76 ) : آية 3 ] إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ( 3 ) استئناف بياني لبيان ما نشأ عن جملة نَبْتَلِيهِ [ الإنسان : 2 ] ولتفصيل جملة فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً [ الإنسان : 2 ] ، وتخلّص إلى الوعيد على الكفر والوعد على الشكر . وهداية السبيل : تمثيل لحال المرشد . و السَّبِيلَ : الطريق الجادة إلى ما فيه النفع بواسطة الرسل إلى العقائد الصحيحة والأعمال الصالحة التي هي سبب فوزه بالنعيم الأبدي ، بحال من يدل السائر على الطريق المؤدية إلى مقصده من سيره .